الثعالبي
89
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
أمثلة ذلك : ما رواه ابن جرير في تفسير قوله تعالى : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب . . . له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) ( البقرة : 266 ) ، أن عمر - رضي الله عنه - سأل الناس عن هذه الآية ، فما وجد أحدا يشفيه ، حتى قال ابن عباس ، وهو خلفه : يا أمير المؤمنين ، إني أجد في نفسي منها شيئا ، فتلفت إليه ، فقال : تحول ههنا لم تحقر نفسك ؟ قال : هذا مثل ضربه الله عز وجل ، فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء ، فأفسده كله فحرقه أحوج ما كان إليه ( 1 ) . " وهو من باب الاستعارة التمثيلية ، وقد ألمع إليه ابن عباس بقوله المقارب : هذا مثل ضربه الله عز وجل . . إلخ ، وهل قال البلاغيون فيما بعد غير ذلك ؟ ! " ( 2 ) . ونهج تلاميذ ابن عباس نهجه ، وكان أكثرهم نتاجا في هذا الاتجاه " مجاهدا " ( 3 ) ، وأما تأصيل هذا الاتجاه فقد كان على يد " أبي عبيدة " صاحب " مجاز القرآن " ويعد صاحب الخطوة الأولى في هذا الاتجاه . " وفضل هذا الكتاب في الدراسات البلاغية : أنه حين تعرض للنصوص القرآنية أشار إلى ما تدل عليه من حقيقة أو مثل أو تشبيه أو كناية وما يتضمن من ذكر أو حذف أو تقديم أو تأخير ، فوضع بذلك اللبنة الأولى في صرح الدراسات البلاغية للقرآن . . . وإذا كان عبد القاهر أظهر من نادى من البلغاء بأن يوضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو ، وهو ما سمي بقضية النظم ، فإن بذور قضيته هذه كانت تكمن في مجاز " أبي عبيدة " حيث رأى في زمنه السابق ما رآه صاحب " الدلائل " في زمنه اللاحق ، فكان بذلك الرائد الأول لعلم المعاني عند من يلتمسون الجذور الضاربة في الأعماق ( 4 ) . وقد رتب " أبو عبيدة " كتابه وفق ترتيب السور القرآنية في المصحف ، ومن هنا صار من اليسير أن يرجع الدارس إلى ما ذكر أبو عبيدة في توجيه الآيات الكريمة من مثل قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ( البقرة : 223 ) حيث قال : إنها كناية
--> ( 1 ) " تفسير ابن جرير " 3 / 47 . ( 2 ) راجع : " خطوات التفسير البياني " ص 21 وفيه شواهد أخرى . ( 3 ) راجع الأمثلة التي ذكرها الدكتور رجب البيومي في " خطوات التفسير البياني " ص 34 وما بعدها . ( 4 ) " خطوات التفسير البياني " ص 46 ، 47 .